فضاء حر

بوح .. من نبضات شوق جميل

يمنات

جلال حنداد

(قهلان*) .. اسم كثيف النبض ينسج من ينابيع حروفه نياشين حميرية لأقيال يمانية تمنحك وهجا هائلا.

أمام هالة هذا الاسم ترتعش ايماءات تاريخية شاسعة تحكي جموح ازمنة سحيقة اخصب فيها الضوء.

شواهدها لا زالت باقية في الاسماء و الحكايا المنسوجة من نقرات اصابع ريح حضارة مودوعة في حنايا الانبعاث.

كما هي باقية في كفاح السواعد القوية و هي ترفل عروق الجبال .. و تدفع طموح الارض بين اهداب الافق لتتنهد اللحظات بطمأنينة فوق ازدحام الورد و عاداته الفواحة..!!

انا هنا من جديد اجر معاطف الحرائق المستعرة لست سنوات حرب ..  مبعثرا فوق المرايا المقاومة للنسيان .. مضمخ بشوق لاستعادة الفة تقطعه اوصالها في خواصر الروح…!!

يااااه يا قهلان جئت لأضمك … و اروي من ينابيعك هذا الجفاف الطويل في مصبات دمي .. جئتك لابتدأني من جديد في مهاد النطق الاول برعما تمرد على فصاحة الربيع. عابث اول غبطة للعشب و شارك الماء اول فتنة له فوق  جسد الرخام .. اود ان اعيشني و لو لوهلة في تلك الاحايين طفلا مخطوفا بلهفة التمرد و المشاغبات. استعيد رقصات اقدامي على ايقاع طقطقة حذائي الاسود المطاط (البنص*) و أنا اتقصد اجنحة الفراشات. ارشق الغرباء بالحجارة فأدميهم بابتساماتي .. اقطف روؤس السنابل الممتدفقة قبل مواسم نضجها و الحصاد … اشد القوس بلؤم احترافي مطلقا حصوات حجرية تارة تردي عصفوا و تارات كثيرة تكسر زجاج نوافذ البيوت أو تصيب حيوان اليف.

اترصد فلاح عجوز وانصب له الفخاخ  المدججة بالزواحف  (الافاعي والحرباء) و هو يعمل آمنا مطمئنا في اوساط الحقول ذي المسميات الحميرية (ذي اضعم – ذي الكاني – ذي وريم – ذي العاقب – ذي مذران..الخ*) و حين يصرخ مهلوعا من الخوف و الصدمة تتعالى ضحكاتي و هو ينهال عليا بالسباب غير الجارح..

و لما تدور عليا الدوائر لاستحق عقاب مشاغباتي املاء كأس الحكاية بألف عذر كاذب معمد بقسم طفولي غليظ  يحول دون كشف فتوحاتي اللذيذة..!!

ياااه .. كيف اوجز هذا الشوق لعينيك .. و انا الف السحاب  فوق رأسك .. ماذا اقول لهذا الوادي – الريداني – الذي تتلو خضرته صلوات الجمال، و الماء يؤدي فوق السهول رقصات البهجة و الارتواء…!!

ايها الرجل .. الذي اضاع بالغياب طريق بيته .. و لم تتذكر اقدامه عتبة الباب إلا حين مرت و وقعت  في حقول الالغام .. و العائد لوهلة على صهوة الذعر بعد خسارة فراديسه .. انتظرك على مدارج سمائي .. في تدفق الماء .. في دبيب النمل .. في مزامير الفرح .. في القيض حين يرمم جفافه اضلعي .. في نور صلوات القمح المباركة بالعطاء .. في الشغف المحموم لقطرات المطر .. في الدفء الذي يلف عش عصفور في ذروة الشتاء … تعال و خذ بيدي .. شم زهوري كي لا تنساني .. واقطف من هذا الحقل فاكهة حبي  لتمتلئ بي .. قبلني كي ارقص لك .. و ضمني كي اتذكرك دائما .. لاتغب ايها العاق  .. انا بقربك…!!

 يآآآه .. يالحب الطاغي بكل وضوح .. يا نسائم الامومة في رئة الله .. يا ارض الطمأنينة و صراط النسائم الجليلة … سلام عليك بكل لغات الماء .. سلام عليك ملء الغبطة و الشكر .. سلام عليك يا قهلان .. يا مقلة الحب و دفء البهجة و رقصة الماء…!! يالوحة الحياة  المعلقة فوق شموخ شمر يهرعش، حين يضع يده على الخريطة المثبتة بحائط القمر..!

………….

*(قهلان) اسم قريتي

*(البنص) احذية مصنوعة من البلاستيك المطاط، كان الناس ينتعلوها في الماضي بكثرة في الارياف اليمنية، و كانت توحي بضيق الحال

*(ذي اضعم، ذي وريم، ذي الكاني، ذي المادد ..والخ) اسماء الحقول الزراعية بوادي قهلان، و هي اسماء لأقيال حميرية يعتقد انهم كانوا يملكوا تلك الحقول فيسموها باسمائهم، و لازلت بتلك الاسماء حتى اليوم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

28 ابريل 2021م – قهلان الضالع

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520.

زر الذهاب إلى الأعلى